عبد الوهاب الشعراني

109

تنبيه المغترين

أدلة القوم في هذا الخلق قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : [ حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات ] وقد ورد أنه قدم إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مرة سويق اللوز فرده وقال : [ هذا طعام المترفهين في الدنيا ] ، وكان أبو هريرة رضي اللّه عنه يقول : ما زاد على لون واحد من الطعام فهو طعام الفساق ا ه ، وسيأتي زيادة على ذلك في محله إن شاء اللّه تعالى ، والحمد للّه رب العالمين . عدم التغالى ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : عدم التغالي في الثياب بل كانوا يلبسون ما وجدوا من الحلال ولو خيشة ، وإذا لبس أحدهم جبة أو عمامة صوف لا يتغالى في ثمنها عكس ما عليه الفقراء في هذا الزمان فربما تكون جبة أحدهم أو عمامته أغلى ثمنا من ثياب التجار ، اللهم إلا أن يكون أحدهم ممن لا تدبير له مع اللّه تعالى فهذا يلبس ما شاء من المباح ، وقد كان حاتم الأصم وأصحابه رضي اللّه عنهم لا يلبسون من الدنيا إلا ما خلق من الثياب وصارت فيه رقع كثيرة ، وقد كان أويس القرني رضي اللّه عنه يلتقط الخرق من المزابل ثم يخيطها بعد غسلها ويلبسها . وكان إبراهيم بن أدهم رحمه اللّه تعالى يلبس الجبة السوداء حتى تنشق عليه وقالوا له مرة : كم لهذه الجبة عليك فقال تسع سنين ما نزعتها قط ، وكان الحسن البصري رحمه اللّه تعالى يلبس الثوب حتى يتسخ جدا ، فإذا قيل له ألا تغسل ثوبك يقول : الأمر أعجل من ذلك ، وقد قال علي بن أبي طالب لعمر بن الخطاب رضي اللّه عنهما إن أردت اللحوق بصاحبيك فرقع قميصك واخصف نعلك وقصر أملك وكل دون الشبع . وقد كان أبو ذر رضي اللّه عنه بيته خال من المتاع ليس فيه سوى المطهرة التي يتوضأ منها فقيل له يوما ألا تجعل في بيتك متاعا ، فقال : إن رب البيت لا يدعنا نقيم فيه ، وإن لنا بيتا آخر سنوجه إليه صالح أعمالنا إن شاء اللّه تعالى ، وكان أبو إدريس الخولاني رحمه اللّه تعالى يقول لأصحابه لا تعتنوا بغسل ثيابكم فلقلب نقي في ثوب دنس أحب إلى اللّه تعالى من قلب دنس في ثوب نقي . وكان عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه يقول : كان أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أخشن منكم ثيابا وأرق قلوبا وسيأتي زمان يكون أهله أرق ثيابا وأخشن قلوبا ، وكان أبو عبيدة رضي اللّه عنه يقول رب مبيض لثيابه مدنس لدينه ، وقد قيل مرة لأبي سليمان الداراني رحمه اللّه تعالى ألا تسرح